ابو البركات
335
الكتاب المعتبر في الحكمة
بين ضعيف قريب وبعيد قوى إذا تكافيا في التأثير ولأنه لا يكون لشئ خارج من السمع من شعاع وغيره كما خرج من البصر لم تختص بالمحاذاة دون غيرها ولو كان كذلك لقد كنا لا ندرك من الأصوات الا نادرا يقع اتفاقا في هذه المحاذاة فان الصوت لا يستقر ريثما يترصد له بتحريك الآلة إلى محاذاته كما يستقر ما يرى بالعين وليس ما نشاهده من تحريك بعض الحيوانات آذانها إلى جهة محاذاة « 1 » الصوت دليلا على أن ذلك لا يتم الا به فإنها انما تفعله بعد سماع صوت ما ينبهها على الاصغاء وقد نراها تفعل ذلك بعينه بآذانها عند الابصار وتأمل المبصر وليس يبصر بالاذن وانما يقع للآلة على سبيل لزوم حال للنفس هي الاصغاء والتطلع بالقصد إلى الادراك مطلقا لا بتهيئة وضع الاذن للسمع خاصة وان كان لتلك التهيئة منفعة في السمع فلتسهيل ادراك المحاذى دون غيره عندها لعمق آذانها بطولها فيضعف السمع تعريجها . ونعلم مع ما علمنا بانا نسمع الصوت الحادث من بعد بعد حدوثه بزمان طويل يضاهى طوله بعد مسافة الصوت ويطول ويقصر على قدره حيث نشاهد الأسباب الموجبة للأصوات ونسمع الأصوات بعد مشاهدتنا لها كمن يرى انسانا يقرع بمطرقة على سندان فإن كان منه قريبا سمع الصوت مع مشاهدة القرع وكلما بعد سمعه بعد زمان يضاهى طوله بعد المسافة فنعلم بذلك ان ابتداء هذا الادراك هو بقرع الهواء المتموج لتجويف الصماخ حيث يصل اليه ولذلك يصل من الابعد في زمان أطول وتمام السمع الذي يدرك الجهة والبعد يكون بتتبع الأثر الوارد من حيث ورد وما بقي منه في الهواء الذي هو المسافة التي فيها ورد فكأنا في حال ما غافلون ورد علينا ما جاز من جهة لم نشعر به حتى انتهى الينا فندركه حينئذ حيث انتهى ثم نتبعه بتأملنا فيتأدى ادراكنا من الواصل الينا إلى ما قبله فما قبله من جهته ومبتدأ وروده فإن كان قد بقي منه شئ متأد أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى فندرك الوارد ومدده وما بقي منه موجودا وجهته وبعد مورده وقربه وما بقي من قوة أمواجه وضعفها فلذلك ندرك البعيد
--> ( 1 ) صف - إلى محاذاة جهة .